غزة/ دعاء الحطاب
في ساعات الصباح الباكر، يدفع الطفل محمد ياسين (14 عاماً) عربته الصغيرة المتهالكة ذات العجلات الأربع بين أزقة سوق النصيرات الشعبي، متنقلاً بين الباعة والمتسوقين وهو يردد بصوت مرتفع: «التوصيل كاش وتطبيق»، علّ أحدهم يستعين به لنقل مشترياته مقابل بضعة شواكل تساعده على إعالة أسرته. لم يكن محمد يتخيل أن يتحول في هذا العمر إلى المعيل الرئيسي لعائلته، لكن الظروف القاسية التي خلفتها الحرب دفعته إلى تحمل مسؤوليات تفوق سنوات عمره بكثير، بعدما أصيب والده إصابة بالغة أدت إلى بتر قدميه وفقدانه القدرة على العمل.
ويقول الطفل ياسين لـ»الاستقلال»: «الحياة صعبة كثير علينا، وما في مصدر رزق إلنا، خاصة بعد إصابة والدي وبتر قدميه». ومنذ ذلك الحين، أصبح يبدأ يومه باكراً باحثاً عن أي فرصة عمل تمكنه من توفير جزء من احتياجات أسرته المكونة من ستة أفراد، حيث يتجول بعربته داخل السوق والشوارع المحيطة عارضاً خدماته على المتسوقين.
ويضيف: «أنا الكبير في العائلة، لذلك أحاول العمل في توصيل أحمال الناس، سواء كانت طروداً غذائية أو بضائع أو أسطوانات غاز وغيرها، إلى أماكن سكنهم مقابل مبلغ بسيط يتراوح بين ثلاثة وخمسة شواكل داخل المنطقة».
ويعمل محمد يومياً من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساءً، متنقلاً لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، أملاً في جمع ما يكفي من المال لتأمين احتياجات أسرته الأساسية والمساهمة في علاج والده.
ورغم المشقة التي يتحملها في سن مبكرة، لا يزال يحلم بحياة طبيعية تشبه حياة أقرانه، بعيداً عن أعباء العمل والمسؤوليات الثقيلة التي فرضتها عليه ظروف الحرب، لكنه يدرك أن لقمة العيش باتت أولوية لا تحتمل الانتظار.
وبينما يواصل جر عربته بين الأزقة والشوارع، يبقى أمله معلقاً بيوم تنتهي فيه المعاناة، ويعود فيه طفلاً كما كان، لا معيلًا لأسرة أثقلتها الحرب.
ولا تمثل قصة محمد استثناءً في غزة، فالحرب دفعت آلاف الشبان والأطفال إلى البحث عن مصادر رزق بديلة بعد فقدان أعمالهم أو معيلهم الأساسي.
وبين الركام والطرق المدمرة، تحولت خدمات التوصيل إلى ملاذ للكثيرين، حيث يجوبون الشوارع على دراجات هوائية أو عربات يدوية، وأحياناً سيراً على الأقدام، سعياً وراء لقمة عيش تساعدهم على مواجهة أعباء الحياة المتفاقمة.
خريج جامعي يبحث عن رزقه بين الركام
كلما رنّ هاتفه، يسرع الشاب ياسر أبو الكاس (32 عاماً) إلى التقاط دراجته الهوائية والانطلاق في شوارع أنهكتها الحرب، غير آبه بالمسافة أو الوقت أو الطرق المدمرة. فبالنسبة له، قد يعني اتصال واحد توفير وجبة طعام لأطفاله الأربعة أو جزءاً من احتياجات أسرته التي أثقلتها الظروف الاقتصادية القاسية.
لم يتوقع ياسر، خريج اللغة العربية، أن تصبح دراجته الهوائية وسيلة عمله الأساسية بعد سنوات من الدراسة الجامعية، إلا أن الحرب وما خلفته من بطالة وانعدام فرص العمل دفعته للبحث عن أي مصدر دخل يحفظ لأسرته الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
ويقول لـ»الاستقلال»: «إن الوضع الاقتصادي والمعيشي المأساوي الذي نعيشه في غزة أجبرنا على العمل في وظائف بعيدة تماماً عن تخصصاتنا الجامعية، خاصة في ظل ظروف الحرب القاسية وغياب فرص العمل».
ويتابع: «لجأت للعمل في توصيل الطلبات على دراجة هوائية رغم صعوبة الأمر ومشقته، نتيجة تدمير الطرق والركام الذي يملأ الشوارع ويعيق حركة المارة، من أجل توفير لقمة العيش لعائلتي الصغيرة».
ولم يحتج ياسر إلى رأس مال أو مشروع كبير، فكل ما امتلكه كان دراجة هوائية نجت من ظروف الحرب، موضحاً: «كانت لدي دراجة قبل الحرب، وسمعت أن عدداً من الشباب يعملون في توصيل الطلبات من خلالها، فقررت استغلالها بدلاً من أن تبقى مركونة».
لكن الطريق إلى الرزق ليس سهلاً، فواقع العمل في خدمات التوصيل داخل غزة محدود، والعائد المالي بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية.
ويقول: «ما نجنيه من هذا العمل يغنينا عن طلب المساعدة من الآخرين، لكنه لا يكفي لبناء مستقبل أو تأمين حياة مستقرة».
ورغم التعب والمخاطر، لا يعرف ياسر معنى الالتزام بساعات عمل محددة، فالهاتف قد يرن في أي وقت حاملاً فرصة جديدة لكسب بضعة شواكل.
ويختم حديثه قائلاً: «أعمل على مدار الساعة، وفي أي لحظة يتصل بي أحد لتوصيل طلب ما أنطلق دون تردد، حتى لو كان الطلب في منتصف الليل.. لقمة العيش صعبة وتحتاج إلى تضحية».
تراجع سوق العمل وتفاقم البطالة
ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ارتفعت معدلات البطالة في قطاع غزة إلى نحو 68% خلال فترة الحرب، فيما تراجعت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25% مقارنة بنحو 40% قبل الحرب. كما أظهرت البيانات أن نحو ثلاثة أرباع العاملين فقدوا وظائفهم أو خرجوا من سوق العمل، في حين كانت فئة الشباب الأكثر تضرراً، إذ بلغت نسبة غير المنخرطين في التعليم أو التدريب أو العمل نحو 74%.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد العمل في مجالات مثل توصيل الطلبات أو نقل البضائع خياراً إضافياً للشباب، بل تحول بالنسبة لكثيرين إلى وسيلة للبقاء وتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، بعدما أغلقت الحرب أبواباً واسعة من فرص العمل والاستقرار.
وبين عربات الأطفال ودراجات الخريجين، تتشكل في غزة ملامح سوق عمل جديد فرضته الحرب، حيث باتت العجلات الصغيرة تحمل أحلاماً كبيرة وأعباءً أكبر من أعمار أصحابها.


التعليقات : 0